آراء ومقالات أخبار اقتصادية اقتصاد في سياسة دراسات اقتصادية

الوصفة السحرية للإدارة اليابانية !…مهند النابلسي

003

الوصفة السحرية للإدارة اليابانية !

إن وعينا بمشاكل حياتنا الملحة هو أهم ما يميزنا كبشر أسوياء ، فقد قال الفيلسوف “نيتشه ” ذات مرة ” أن باستطاعتنا أن نسأل الأبقار عن سر سعادتها ، ولكن لن يكون لذلك معنى لأنها قد تنسى السؤال قبل أن تشرع بالإجابة عليه ، إذ ليس لها استمرارية في الوعي “!
وقد عرف “دروكر” الإدارة مؤخرا بأن لها قيمها ومعتقداتها ولغتها الخاصة ، لقد تميزت الإدارة اليابانية بقدرتها على التفوق وإتقان المواءمة بين أهم سبعة عناصر رئيسية وهي : الأسلوب ، الإداريون ، المهارات ، المنظومات ، الأهداف العليا ، الإستراتيجية والبنية : لذا تزداد الطاقة الإنتاجية لليابانيين في كافة الصناعات ، فقد تجاوزت بريطانيا في حقل إنتاج الدراجات ، وتجاوزت الألمان والأمريكان في إنتاج السيارات ، وتفوقت على الألمان والسويسريين في صناعة الساعات والكاميرات والآلات البصرية ، كذلك تفوقت على الولايات المتحدة في حقول إنتاج الصلب وبناء السفن والالكترونيات ، وبدأت بمشروعها الخاص لغزو الفضاء الخارجي .
أهم عشرة عناصر :

الغموض وارتشاف المعنى وتدليك المشاكل !
من الصعب حقا اقتباس أساليب الإدارة اليابانية ومحاولة تطبيقها بحذافيرها ، لأنها وليدة نظم وأساليب حياتهم ومرتبطة مباشرة بفاعلية أنظمتهم التربوية ومثلهم الروحية وحضارتهم الفريدة ، ولكن إلقاء الأضواء على بعض ” أسرار ” الإدارة اليابانية يفيدنا كثيرا في مرحلتنا “الثورية ” الراهنة ن وخاصة وان اصطلاح “إدارة التنمية ” قد أصبح يتكرر كثيرا في الآونة الأخيرة ، وهو يرتبط مباشرة بمفاهيم ” التطوير والتحديث الإداري ” ، كما أن ذلك يساعدنا في التخلص من نقاط ضعفنا واثبات وجودنا في عالم قاس حافل بالمنافسة والتحدي ، إذا ما راعينا أن معظم صنوف الترهل والفساد وضعف الإنتاجية تكون وتحدث بفعل ضعف كفاءة الإدارة العربية أو ” العالم – ثالثية ” ! وفيما يلي ملخص لأهم عشرة عناصر فعالة تستخدمها الإدارة اليابانية ، ويسعى المدراء الغربيون جهدهم لتطبيقها بشكل ما في مؤسساتهم :
* الإبهام وعدم التيقن وعدم الكمال : أي أنه يفضل في حالات معينة إبقاء العصي جميعا طائرة في الهواء ، يعتبر اليابانيون أن للإبهام أوجها مرغوبا بها كما أن لها أوجه غير مرغوبة ، ويحاولون في بعض الحالات السير مع التيار ، وهم أكثر من غيرهم قبولا للغموض ولعدم الكمال باعتبار أنها من حقائق الحياة .
* اللغة والصور الذهنية : يعرف اليابانيون المساحة الفارغة على أنها “مليئة بشيء ما ” ، ويحترمون الفراغ ويعتقدون انه بخروجك من الصورة فانك تكسب رؤية أفضل لحقيقة ما فيها ، ويجب تدريب الذات على ذلك بغرض ” ارتشاف المعنى ” . يتعلم اليابانيون ألا يندفعوا ويقدموا فورا بل أن يتحركوا بادراك ولباقة عبر الوقت ومعه . إن فترة الفراغ والصمت قبل الإقدام على عمل هام ضرورية لتنفيس التوتر الناشئ .
* متى نستخدم الغموض ؟ ويعني هذا اتخاذ قرار بالتوقف عن دراسة مشكلة ما وإيقاف الدوران في حلقة مفرغة ن والمباشرة باتخاذ خطوات ” تلمسيه ” ، تحاشي الالتزام باتخاذ إجراء علاجي حتى تتضح الصورة، وبهذا تترك جميع الخيارات مفتوحة .
* داء التعميمات والبلاغات : يأتي المدير الياباني لمنصبه مزودا حضاريا بمفهومين يساعدانه كثيرا ، وهما في الواجهة وخلف الواجهة ، ويعنيان تباعا الوضع القائم والوضع القانوني . وهكذا يرى اليابانيون أن إصدار التعاميم هو نصف الحقيقة وأن نصفها الثاني هو العمل الذي يجري خلف الواجهة .
* الاتصالات الضمنية : يستخدم هنا ” عدم الوضوح ” في الكلام مقام الوسادة التي تلطف صدمة الكلام المباشر وتخفف من”تحبيط” العزائم ، ويجري اليابانيون محادثاتهم على شكل دائرة تتسع وتضيق حسب شعور الفريق المتحدث بردة فعل الفريق الآخر ، ويميلون للتركيز على الأسلوب ، بينما يميل الغربيون والأمريكان للتركيز على النهايات الواضحة ، كما أنهم يتعايشون مع اللون الرمادي للأوضاع ، ويؤكدون أهمية استخدام المجاز ضمنيا في الحديث .
* المواربة مقابل الصراحة الفظة : تركز الحضارات الشرقية على مفهوم “حفظ ماء الوجه ” ، بينما يؤكد الغرب على الفضائح وكشف الأوراق على الطاولة . ويرفض اليابانيون ” الاستقامة الفظة ” لانها تؤدي لسياسة المجابهة المباشرة .
* الانطباعات “الاسترجاعية” للأداء : يحاول اليابانيون هنا أن يكونوا أكثر وضوحا بغرض تحسين الأداء ورفع الإنتاجية ، ويستخدمون إشارات ” الإنذار ” بطريقة واضحة لأن الغرض ليس الانتقام ، وإنما تفادي الأخطاء ، وقد لوحظ أن النجاح هو حليف الذين يتقنون قراءة الإشارات البارعة الخفية .
* معايير النجاح : الكفاءة المهنية هي العنصر الأهم للترقية في المؤسسات اليابانية ( بالإضافة للأقدمية والمثابرة ) ، بينما لوحظ أن أهم خمسة عناصر متحكمة بالترقية في المؤسسات الأمريكية هي : المظهر الخارجي ، الشخصية ، الهجومية ، الرتبة الإدارية واللياقة .
* صلة الغموض باتخاذ القرار : تشدد تقاليد الفلسفة الشرقية على ضرورة تكيف الفرد مع استمرار ظهور أحداث جديدة ، كذلك لا يحب اليابانيون أن يجبروا على اتخاذ قرارات تحكمية ، لذا فهم يتشددون على انجازات المؤسسة التراكمية أكثر مما يهتمون بالانجازات المنفردة التي يحققها الأفراد ، ويميل المدراء اليابانيون للتعمق بالوقائع لذا فإنهم يجرون التغييرات المطلوبة ببطء . لا يصل المدير الياباني إلى منصبه عادة لأنه عين لإجراء “تغييرات سريعة ضرورية” ، بل لأنه ارتقى السلم ببطء ووصل إلى مركزه الذي سيبقى فيه لفترة طويلة ، لذا فهم أكثر اطمئنانا واقل خوفا وأطول تركيزا وأعمق تفكيرا . تركز فلسفة “تاو” اليابانية على عنصر المثابرة كالماء ، الذي يعود ويعود ثم يعود ، ويعيد الكرة مرارا مذيبا صلابة الصخور ، حتى تعجز أخيرا عن مقاومته ! دعوا الأحداث تأخذ مجراها ، وحيث لا ضرورة لاتخاذ قرار ، فانه من الحكمة والذكاء عدم اتخاذه !
* المهارة والمواربة والقرار : من المهارات الهامة في فن الإدارة القدرة على معايشة الغموض وعدم الكمال المقبول فيه كأمر واقع ، حيث تتطلب المواربة بكافة أشكالها الكثير من المهارة ، ويميلون أحيانا لإبقاء القضايا معلقة وفاعلة في آن واحد ! وتستخدم أحيانا اصطلاحات طريفة لمعالجة حالات معقدة مثل ” البهلوانية ” و ” تدليك المشاكل ” .
بالإضافة لهذه العناصر هناك قناعات متفق عليها حول قيم ومفاهيم أخرى فاعلة مثل : الذات ودورها في المجموع ، الاتكال المتبادل ، أسلوب العمل كفريق متماسك ، ضبط النفس ، النقاش المتناسق في الاجتماعات …الخ .

مقارنة مع خصائص الإدارة العربية

بالمقابل لا يوجد تقبلا لنمطي الغموض والإبهام في الإدارة العربية ، كما أن الوضع الرمادي غير مقبول ، فهناك الأسود أو الأبيض ، والأحكام القطعية جاهزة دوما لوصف الأشخاص والممارسات مثل : فهمان-جاهل – فلتة – عبقري – داهية – معاق – فاسد …الخ، كما أن الإيمان بفلسفة الصمت والتأمل ضعيف ، وترفض هذه الإدارة الفراغ حيث هناك دوما مجال للحشو والاكتظاظ والازدحام . لا توجد قناعة بالعمل الذي يجري خلف الواجهة ، حيث الصدارة والتقدير لواجهة العمل الاستعراضية . لا يستخدم المدراء العرب كثيرا الإشارات المجازية بوضوح لتحسين الأداء ، ويميلون غالبا للنفاق والازدواجية في طرق التعامل ، كما أنهم (أي المدراء العرب ) قد يضحون بالمعايير الموضوعية لتجنب الإحراج والمشاكل . أما ” الأقدمية والواسطة والمحسوبية ” ، فهي في معظم الأحيان تعتبر العناصر الأكثر اعتبارا “للترفيع” والترقية في معظم المؤسسات العربية ، ولا تعطى اعتبارات كبيرة حازمة للكفاءة المهنية والقدرة على مواجهة الصعوبات في أحيان كثيرة ! كما أن معايير أخرى كالشخصية الهجومية والقدرة على التنظير والخطابة ، ناهيك عن التزلف والنفاق ، تؤخذ كلها معا بالاعتبار عند اتخاذ القرار لترقية أشخاص للمناصب العليا ، بالإضافة للقدرات الخفية للدخول للشبكة العنكبوتية لإخطبوط الفساد المستشري في العديد من المؤسسات ، مما يعزز قبولهم وتوافقهم مع الوضع القائم . كما أن الإدارة العربية تركز أكثر على الانجازات الفردية بغرض التلميع والإشهار وسعيا للنجومية والتميز حتى لو تطلب ذلك أحيانا السطو على جهود الآخرين وتهميشهم ، ولا تؤمن بالقيادات الجديدة إلا بصعوبة وتميل للجمود والروتين والبيروقراطية وتوريث المناصب واحتكار الفهم والصواب .

تهميش الجهود وإخفاء النجاحات !

كما أن الإدارة العربية لا تميل إطلاقا لدراسة التجارب والإخفاقات والنجاحات السابقة بشكل موضوعي ، ولأخذ العبر والدروس وتصحيح المسار ، اذكر مشروعين هامين ناجحين عملت بهما ، وتم تهميشهما كليا بعد نجاحهما لأن إظهارهما ، ونمذجة المشاريع و الإجراءات والتجارب الناجحة ربما لن يفيد في هذه الحالة أحدا من المدراء وصناع القرار الطموحين ، وقد يقود تقدير ذلك لإلقاء وتسليط الأضواء على انجازات جهات أو أشخاص غير مرغوب بهم ، لذا فمن الحذر والدهاء وتوخيا للسلامة إخفاء وتهميش النجاحات والانجازات ! والغريب أن هذين المشروعين قد تكلفا مبالغ كبيرة وتطلبا جهودا حثيثة متواصلة ، وتطلب انجازهما مهارات وكفاءات متخصصة أجنبية ومحلية ، احدهما ارتبط بمشروع ريادي لإدارة التغيير بغرض التكامل والاستحواذ والدمج في إحدى المؤسسات الوطنية الكبرى ، واستغرق العمل به وانجازه أكثر من سنتين ! أما الثاني فهو مشروع أوروبي –متوسطي (مخصص للمؤسسات الصغرى والمتوسطة ) ، وقد استغرق العمل الدءوب لانجازه أكثر من ثلاث سنوات ، وحيث تم استنباط نموذج فريد للجودة “الأوربية -المتوسطية” ، وطبق بنجاح على عشر شركات محلية . والغريب أن خلاصة المشروع والانجازات التي حققت في المشروع الأول قد تم نشرها في ثلاثة مقالات رائدة في الموقع الالكتروني للجمعية الأمريكية للجودة ! لا يمكن مقارنة تواضع المدراء اليابانيين بأقرانهم العرب ، فالمدير أو المسئول العربي لا يعرف التواضع وان كان يدعي ذلك أحيانا ، لكن للحق لا يمكن إنكار التحسينات الهائلة التي أدخلتها معايير جوائز التميز في كافة مناحي الإدارة العربية ، والتي دفعتها بل وتدفعها قسرا لمواكبة التطور في عالم الإدارة الحديثة .

“كونشرتو” بيتهوفن والإدارة !

يكمن حجر الزاوية في فلسفة الإدارة اليابانية في قناعتهم بأن لكل فرد حاجات اقتصادية واجتماعية ونفسانية وروحانية ، في حين تؤمن نظم الإدارة الغربية بأن مسؤولية الشركة هي في معظمها اقتصادية بحتة لا تشمل إلا لماما الاعتبارات الأخرى ، وقد عززت هذه النظم للأسف القناعات السائدة حاليا بطريقة فظة في دول العالم الثالث حول اصطلاح ” نظرة المهندس ” للأفراد العاملين على أنهم في الأساس مجرد قطع أو وحدات إنتاجية قابلة للنقل من موقع لآخر !

يجب التأكيد أخيرا على أن معظم المهارات الإدارية حدسية بطبيعتها ، ويقال مثلا عندما يقدم عازف شهير مقطوعة ” كونشرتو ” لبتهوفن أن الموسيقى تكون في أصابعه ويديه ، أي أن عليه أن يفكر فقط بالموسيقى ويأتي الباقي تباعا بطريقة تلقائية !

مهند النابلسي

Mmm…@hotmail.com